محمود حمدي زقزوق
19
موسوعة التصوف الاسلامي
وذهب آخرون إلى القول بنسبة الصوفي إلى الصّفة . وهذا يعنى أن أصل التصوف متصل بأهل الصفة . وأهل الصفة - كما هو معروف - اسم كان يطلق على بعض فقراء المسلمين في صدر الإسلام الذين كانوا يأوون إلى صفّة بناها لهم الرسول عليه الصلاة والسلام خارج المسجد بالمدينة ، نظرا لأنه لم تكن لهم بيوت يأوون إليها . وقد رفض كثير من الباحثين هذه الاشتقاقات لأن اللغة العربية لا تجيزها ، وإن كان التصوف في حقيقة أمره يشتمل على كل هذه المعاني المشار إليها . وذهب أبو الريحان البيّرونى ( ت 448 ه ) قديما وبعض المستشرقين حديثا إلى أن لفظ الصوفي مأخوذ من أصل يوناني هو كلمة ( سوفيا ) اليونانية التي تعنى الحكمة - وهذا الرأي لا يستقيم لسبب بسيط وهو أن التسمية بالصوفي كانت موجودة في العربية قبل ترجمة الحكمة اليونانية إلى العربية . والرأي الذي عليه غالبية الباحثين هو أن كلمة صوفي منسوبة إلى الصوف ، وهذا الاشتقاق لا يخالف القياس اللغوي وقد قال به أبو نصر السراج قديما حيث يقول : " نسبوا إلى ظاهر اللباس ، لأن لبس الصوف كان دأب الأنبياء عليهم السلام وشعار المتنسكين " 11 . وأبو نصر السراج هو صاحب أقدم كتاب عربى معروف في التصوف وهو كتاب ( اللمع ) . ويؤيد هذه النسبة إلى الصوف نصوص عديدة من أقوال المؤلفين المسلمين - كما يقول المستشرق نولدكه أيضا - فالمسلمون في القرنين الأولين للإسلام كانوا يلبسون الصوف وبخاصة من كان منهم يسلك في حياته طريق الزهد . وكانوا يقولون : لبس فلان الصوف بمعنى تزهد ورغب عن الدنيا . فلما انتقل الزهد إلى التصوف قالوا لبس فلان الصوف بمعنى أصبح صوفيا 12 . وإذا كانت كلمة الصوفي - بناء على ذلك - تنتسب إلى الملبس وهو مظهر وشكل فليس معنى ذلك أن التصوف مجرد مظاهر وأشكال . وأيا ما كان الأصل الذي اشتق منه مصطلح الصوفي والتصوف فإن العبرة ليست في المظهر ولكن في المضمون الذي يشتمل عليه التصوف . وهذا ما يؤخذ من التعريفات العديدة للتصوف . وأول تعريف للتصوف الإسلامي نجده لدى معروف الكرخي ( ت 200 ه ) حيث يقول :